جيرار جهامي ، سميح دغيم
198
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
الإسلام ، والشرق هو الشرق » ، فالاستشراق ، في الواقع ، « يشارك السحر والأسطورة في كونه يتشكّل من سيستام يتميّز بهوية مقفلة حيث نجد أن الأشياء هي ما هي عليه لأنها هي ما هي مرة واحدة وإلى الأبد ، وذلك لأسباب أنتولوجية لا يمكن لأية مواد تجريبية ( Empirical ) أن تغيّرها أو أن تعدّلها » . ( نديم البيطار ، الهوية القومية ، 154 ، 5 ) . - الاستشراق في أبسط مفاهيمه ، إنما هو استخدام العلم في خدمة السياسة ، ولذلك فقد اتّصل الاستشراق بالاستعمار ، واتّخذ من روابطه الدينية أساسا لتدمير النفس العربية الإسلامية وإخراجها من أصولها وحدودها . ( أنور الجندي ، أخطاء المنهج الغربي ، 422 ، 5 ) . - كل من يقوم بتدريس الشرق ، أو الكتابة عنه ، أو بحثه - ويسري ذلك سواء أكان المرء مختصّا بعلم الإنسان ( انثروبولوجي ) ، أو بعلم الاجتماع ، أو مؤرّخا ، أو فقيه لغة ( فيلولوجيا ) - في جوانبه المحدّدة والعامّة على حدّ سواء ، هو مستشرق ، وما يقوم هو أو هي بفعله هو استشراق . صحيح أن المصطلح الاستشراق ، بالمقارنة مع الدراسات الشرقية أو الدراسات الإقليمية ، أقلّ تفضيلا اليوم لدى المختصّين لسببين اثنين : كونه غائما وعامّا إلى درجة مفرطة ، وكونه يتضمّن الموقف التنفيذي السلطوي للاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين . بيد أن الكتب ( ما تزال ) تكتب ، والمؤتمرات تعقد ، ومحرقها الرئيسي « الشرق » والسلطة المرجعية فيها المستشرق في قناعه الجديد أو القديم . والنقطة الدالّة هي أن الاستشراق ، حتى إذا لم يستطع البقاء كما كان ذات يوم ، يستمر في الحياة جامعيا عبر معتقداته المذهبية وأطروحاته عن الشرق والشرقي . ويرتبط بهذا التراث الجامعي ، الذي تشكّل أقداره ، وتقمّصاته ، وتخصّصاته ، وأشكال انتقاله ، جزئيا ، موضوع هذه الدراسة ، معنى أكثر عمومية للاستشراق . فالاستشراق أسلوب من الفكر قائم على تمييز وجودي ( انطولوجي ) ومعرفيّ ( ابستمولوجي ) بين الشرق و ( في معظم الأحيان ) « الغرب » . ( ادوار سعيد ، الاستشراق ، 38 ، 17 ) . - إن الاستشراق ليس مجرّد موضوع أو ميدان سياسي ينعكس بصورة سلبية في الثقافة ، والبحث ، والمؤسّسات ؛ كما أنه ليس مجموعة كبيرة ومنتشرة من النصوص حول الشرق ؛ كما أنه ليس معبّرا عن ، وممثّلا لمؤامرة إمبريالية « غربية » شنيعة لإبقاء العالم « الشرقي » حيث هو . بل إنه ، بالحري ، توزيع للوعي الجغراسي إلى نصوص جمالية ، وبحثية واقتصادية ، واجتماعية وتاريخية ، وفقهية ولغوية ؛ وهو إحكام لا لتمييز جغرافي أساسي وحسب ( العالم يتألّف من نصفين غير متساويين ، الشرق والغرب ) بل كذلك لسلسلة كاملة من « المصالح » التي لا يقوم ( الاستشراق ) بخلقها فقط ، بل بالمحافظة عليها أيضا بوسائل كالاكتشاف البحثي ، والاستبناء فقه اللغوي ، والتحليل النفسي ، والوصف الطبيعي والاجتماعي . وهو إرادة ، بدلا من كونه تعبيرا عن إرادة معيّنة أو نية معيّنة لفهم ما هو ، بوضوح ، عالم مختلف